ابن أبي الحديد

275

شرح نهج البلاغة

في ذنب كل فرس ترسين ، ثم ندب ثمانية نفر من أصحابه ، وغلاما له يقال له حيان - كان شجاعا فاتكا - وأمره أن يحمل معه إداوة من ماء ، ثم سار ليلا حتى أتى ناحية من عسكر أهل الشام ، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر الأربع ، وأن يكون مع كل رجلين فرس : ثم يلبسوها الحديد حتى تجد حره ، ثم يخلوها في العسكر ، وواعدهم تلعة قريبة من العسكر ، وقال : من نجا منكم ، فإن موعده التلعة ، فكره أصحابه الاقدام على ما أمرهم ، فنزل بنفسه حتى صنع بالخيل ما أمرهم به ، حتى دخلت في العسكر ، ودخل هو يتلوها ، ويشد خلفها شدا محكما ، فتفرقت في نواحي العسكر ، واضطرب الناس ، فضرب بعضهم بعضا ، وماجوا ، ونادى حبيب بن عبد الرحمن : ويحكم إنها مكيدة ! فالزموا الأرض حتى يتبين لكم الامر ، ففعلوا ، وحصل شبيب بينهم ، فلزم الأرض معهم ، حتى رآهم قد سكنوا ، وقد أصابته ضربة عمود أوهنته . فلما هدأ الناس ورجعوا إلى مراكزهم خرج في غمارهم ، حتى أتى التلعة ، فإذا مولاه حيان ، فقال : أفرغ ويحك على رأسي من هذه الإداوة ! فلما مد رأسه ليصب عليه من الماء هم حيان بضرب عنقه ، وقال لنفسه : لا أجد مكرمة لي ، ولا ذكرا أرفع من هذا في هذه الخلوة ، وهو أماني من الحجاج ، فأخذته الرعدة حين هم بما هم به ، فلما أبطأ عليه ، قال له : ويحك ! ما انتظارك بحلها ! ناولنيها ، وتناول السكين من موزجه ( 1 ) فخرقها به ، ثم ناوله إياها ، فأفرغ عليه من الماء ، فكان حيان بعد ذلك يقول : لقد هممت فأخذتني الرعدة فجبنت عنه ، وما كنت أعهد نفسي جبانا . * * * ثم إن الحجاج أخرج الناس إلى شبيب ، وقسم فيهم أموالا عظيمة ، وأعطى الجرحى وكل ذي بلاء ، وأمر سفيان بن الأبرد أن يسير بهم ، فشق ذلك على حبيب ،

--> ( 1 ) الموزج : الخف .